وكان شابا صالحا،
وحين سمع. أن الجهاد أفضل الأعمال في الإسلام وذروة سنامه ،
ذهب إلى
عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،
وقال له : أرسلني إلى الجهاد،
قال عمر : أحي والداك ؟
قال : نعم ، قال : فاستأذنهما ، فاستأذنهما وبعد إلحاح شديد، وافقا على مضض،
فقد كان وحيدهما
وكان شديد البر بهما ،
يؤنسهما ويساعدهما
في كل شؤونهما ،
ذهب كلاب إلى الجهاد ،ومرت الأيام على الأبوين
بطيئة ثقيلة ،
وما لبِث أن اشتد الشوق بالوالد. فصار البكاء
رفيقه في ليله ونهاره ،
وينشد :
كتاب الله لو عقلا الكتابا
تركت أباك مرعشة يداه ...
وأمك لا تسيغ لها شرابا
طويلا شوقه يبكيك فردا ...
على حزن ولا يرجوا الإياب
إذا هتفت حمامة. ...
على بيضاتها ذكرا كلابا !! .
وطال بكاؤه حتى أصابه
ما أصاب يعقوب عليه السلام ، فابيضت عيناه من الحزن ،
وفقد بصره ، وصار
لا يفتر عن ذكر ولده،
ومن شدة ما في قلبه ..
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، !
وما تدرى أعاذل ما ألاقي
* إن الفاروق لم يردد كلابا ...
على شيخين سامهما فراق
* سأستعدى على الفاروق رباً ...
له دفع الحجيج إلى بساق
* وادعو الله مجتهداً عليه ...
ببطن الأخشبين إلى زقاق.
إلا أخذ بيده حتى أقبل به
على حلقة عمر بن الخطاب وأجلسه فيها، وهو لا يدرى ،
ثم قال له صاحبه :
يا أبا كلاب ،
قال: نعم،
قال: أنشدنا من أشعارك ،
ما تبادر إلى ذهنه :
على شيخين سامهما فراق
* سأستعدى على الفاروق ربا
له دفع الحجيج إلى بساق
* وادعوا الله مجتهدا عليه
ببطن الأخشبين إلى زقاق
من هذا ؟
قالوا :
هذا أميه الكناني
من فوره أن ابعثوا إلى
كلاب ابن أمية الكناني
على وجه السرعة !،
عمر رضي الله عنه،
قال له : اجلس يا كلاب ،
فلما جلس
قال له عمر :
ما بلغ من برك بأبيك يا كلاب؟
قال : والله يا أمير المؤمنين،
ما أعلم شيئا يحبه أبي
إلا فعلته قبل أن يطلبه منى ،
ولا أعلم شيئا يبغضه أبي
إلا تركته قبل أن ينهاني عنه ،
قال عمر رضي الله عنه : زدني ! ..
قال : يا أمير المؤمنين
والله إني لا آلوه جهدي براً وإحساناً،
قال عمر : زدني ! ،
قال كلاب : كنت إذا أردت
أن أحلب له آتى من الليل
إلى أغزر ناقة في الإبل
ثم أنيخها وأعقلها
حتى لا تتحرك طوال الليل ،
ثم استيقظ قبيل الفجر
فاستخرج من البئر ماء بارداً،
فاغسل ضرع الناقة
حتى يبرد اللبن ، !!
ثم احلبه وأعطيه أبى ليشرب ، !
قال عمر : عجباً لك، !
كل هذا لأجل شربة لبن ، !
فافعل لي كما كنت تفعل لأبيك،
قال كلاب : ولكني أود الذهاب إلى
أهلي يا أمير المؤمنين ،
قال عمر : عزمت عليك يا كلاب ،
فمضى كلاب إلى الناقة
فحلب وفعل كما كان يفعل لأبيه،
ثم أعطى الإناء
لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ،
خذوا كلاب فادخلوه في
هذه الغرفة وأغلقوا عليه الباب !!
الشيخ ليحضر ،
فاقبل يقاد لا يعلم ما يُراد به !،
قد عظم همه واشتد بكاؤه
وطال شوقه،
يجر خطاه جراً، حتى وقف
على رأس أمير المؤمنين ،
فسأله الفاروق :
يا أمية ماذا بقى من لذاتك
في الدنيا ؟!
قال : ما بقى لي من لذة
يا أمير المؤمنين ،
قال عمر : فما تشتهى؟
قال أمية : اشتهي الموت !!،
قال عمر :
أقسمت عليك يا أمية
إلا أخبرتني بأعظم
لذة تتمناها الآن !!
قال أمية :
أما وقد أقسمت علي ،
فإني أتمنى لو أن
ولدى كلابا بين يدي الآن
أضمه واشمه وأقبله قبل أن أموت،
قال عمر : فخذ هذا اللبن لتتقوى به،قال أمية :
لا حاجة لي به يا أمير المؤمنين ،
قال عمر :
أقسمت عليك يا أمية إلا شربت من هذا اللبن، فلما أخذ الإناء وقربه من فمه،
بكى بكاءً شديداً،
وقال : والله إني لأشم رائحة
يدي ولدى كلاب في هذا اللبن،
فبكى عمر رضي الله عنه
حتى جعل ينتفض من بكائه !!
ثم قال :
افتحوا الباب !!
فاقبل الولد إلى أبيه !!
فضمه أبوه ضمة شديدة طويلة،
وجعل يقبله تارة، ويشمه تارة،
وجعل عمر رضي الله عنه يبكي،
ثم قال : إن كنت يا كلاب تريد الجنة ، فتحت قدمي هذا.
بر الوالدين في حياتهما وبعد مماتهما ...اللهم اغفر لهما وارحمهما كما ربياني صغيرا وارزقني حسن الخاتمه


إرسال تعليق